السيد محمد الطباطبائي الكربلائي
43
مفاتيح الأصول
تحته وإنما حكموا بذلك لأن اللفظ لا يطلق إلا على الخصوصيات فلا يقال هذا ويراد به واحد مما يشار إليه لا بد في إطلاقه من القصد إلى خصوصية معينة فلو كان موضوعا للمعنى العام كرجل لجاز فيه ذلك وهكذا الكلام في الباقي ومن هذا القبيل أيضا ومنع الحروف فإنها موضوعة باعتبار معنى عام وهو نوع من النسبة لكل واحدة من خصوصياته فمن وإلى وعلى مثلا موضوعات باعتبار معنى الابتداء والانتهاء والاستعلاء لكل ابتداء وانتهاء واستعلاء معين بخصوصه وفي معناها الأفعال الناقصة انتهى لا يقال لو كانت موضوعة للجزئيات لما صح إرجاع الضمير إلى المفهوم الكلي والتالي باطل لأنا نقول ليس المراد من الجزئيات الجزئيات الحقيقية بل ما يعمّها والإضافية والإشارة إلى الجنس إشارة إلى الجزئي الإضافي بالنسبة إلى مطلق ما يشار إليه فتدبر مفتاح اعلم أن الألفاظ العبادات وهي التي تتوقف صحتها على النية على قسمين أحدهما ما كان باقيا على المعنى الأصلي ولم ينقل إلى المعنى المستحدث الطاري كلفظ السجود والركوع والطمأنينة والغسل والمسح والآخر ما كان منقولا في لسان الشرع إلى معنى جديد حادث باعتبار الشرع كلفظ الصّلاة والحج والصوم الموضوع في اللغة لمعنى وفي زمان النبي صلى الله عليه وآله والأئمة عليهم السلام لمعنى آخر مربوط بالشريعة فإن كان الأول فحاله حال أكثر ألفاظ المعاملات في لزوم الرجوع إلى العرف واللغة في تحقيق معناه وكون الحاكم بدخول ما يشك في كونه جزءا للموضوع له وكونه مما يتوقف عليه في الموضوع له وخروجه عنه أهل اللسان فإذا قال الشارع اركع في الصّلاة مثلا واختلف الأصحاب في لزوم الذكر في الركوع المأمور به ولم يكن هناك دلالة يتوقف عليه كان اللازم الحكم بعدمه لصدق الركوع بدونه عرفا ولغة فاشتراط الأمر الزائد تقييد للإطلاق والأصل عدمه وقد أشار إلى هذا جدي رحمه الله وإن كان الثاني فلا إشكال في أنه لا يرجع في تحقيق مفهومه إلى العرف العام واللغة ولا في أنه ليس الحاكم بدخول المشكوك فيه وخروجه أهل اللغة وإنما الإشكال في أن الحاكم بالدخول والخروج هل هو صاحب الشرع لا غيره فإذا لم يرد منه ما يدل على أحد الأمرين يجب التوقف في تشخيص المدلول والرجوع إلى ما تقتضيه الأصول العقلية فيكون الحكم بهما توقيفيّا موقوفا على بيانه كما أن الحكم بالأحكام التكليفية كالوجوب والحرمة والوضعية كالسببية والمانعية توقيفي موقوف على بيانه أولا بل يمكن الحكم بالدخول والخروج بحكم المتشرعة فلا يكون الحكم بهما توقيفيا كالحكم بالأحكام التكليفية ومرجع هذه المسألة إلى أن ألفاظ العبادات المنقولة هل وضعت للعمل الصحيح الذي إذا أتى به المكلف خرج عن العهدة واستحق الثواب عليه فالصّلاة مثلا موضوعة لعمل مخصوص إذا أتى به كان مجزيا ليس إلا فلا يطلق على عمل فاسد حقيقة فيكون مفهومه كمفهوم لفظي العلم والمعرفة في أنه لا يقبل التقسيم إلى الصحيح والفاسد لا كمفهوم لفظ البيع الموضوع لمفهوم كلي يتحقق في ضمن الصحيح والفاسد ويطلق على كل منهما بطريق الحقيقة أو وضعت للأعم من الصحيح والفاسد بحيث يطلق على كل منهما حقيقة كإطلاق لفظ البيع على الصحيح والفاسد وإطلاق لفظ الإنسان على زيد وعمرو فإن قلنا بالأول تعين الحكم بكون الحكم بالدخول والخروج توقيفيّا كالأحكام الشرعية وإن قلنا بالثاني لم يتعيّن ذلك ولا يكون الحكم بهما توقيفيا وقد اختلف الأصوليون في هذه المسألة على قولين الأول أنها موضوعة للصحيح وهو للشهيد في القواعد وجدي رحمه الله في الفوائد والسيّد الأستاذ رحمه الله في شرح الوافية وحكاه فيه عن أكثر المحققين وقد صرح العلامة في المنتهى والقواعد والسيّد عميد الدين في المنية والشهيد الثاني في المسالك بأن لفظ الصّلاة موضوعة للعبادة الصحيحة ويمكن استفادة هذا من الذريعة والعدة والنهاية والمحصول والمحكي عن أبي الحسين والقاضي عبد الجبار بن أحمد والحاجبي والآمدي بل يظهر من المحصول ونهاية السئول أنه مذهب الأكثر الثاني أنه موضوعة للأعم من الصحيح والفاسد وهو لوالدي العلامة دام ظله العالي وبعض فضلاء العصر وهو ظاهر المحكي عن القاضي أبي بكر وأبي عبد الله البصري وصرّح في الإيضاح والروضة وتمهيد القواعد والزبدة ونهاية السئول وشرح المختصر بأن لفظ الصلاة موضوعة للأعم من الصحيح والفاسد وصرّح بهذا أيضا في موضع من النهاية والمنية وهو ظاهر الذريعة والمدارك وجامع المقاصد وصرّح به أيضا جدي الصّالح المازندراني فيما حكي عنه للأولين القائلين بالوضع للصحيح وجوه الأول ما تمسك به جدي رحمه الله والسيّد الأستاذ رحمه الله من أن المتبادر من ألفاظ العبادات ليس إلا الصحيحة فإن من قال صليت المغرب أو توضأت أو اغتسلت من الجنابة أو آجرت نفسي للصلاة عن فلان أو فيض المسجد الصّلاة فيه أو الصلاة عمود الدين أو علم ولدي الصّلاة والصوم والزكاة أو الحج أو نحو ذلك لا يفهم منه إلا العمل الصحيح ويشهد بما ذكر ما ذكره المحقق الثاني من أن إطلاق الصّلاة محمول عند الفقهاء على الصحيحة وإذا ثبت أن المتبادر ذلك لزم الحكم بكونه المعنى الحقيقي لأن التبادر من أقوى أمارات الحقيقة ولا يجوز احتمال كونها حقيقة في الأعم من الفاسد أو فيها بالخصوص أو فيها وفي الصحيحة بالاشتراك اللفظي لأنه لو صح أحد المحتملات لما كان المتبادر الصحيحة فقط وقد يجاب عن هذه الحجة بالمنع من كون تبادر